الثلاثاء، 27 أبريل، 2010

ابقبلة تسلم ابن الانسانة؟





كدت لا اصدق ردة الفعل التي اثارتها القبلة بين شاذين في المسيرة العلمانية في بيروت الاحد الماضي، وخصوصا وانه حتى الآن لم ترتفع الاصوات الشاجبة سوى من قبل الشاذات والشاذين! انتفض بعض الشاذات والشاذين لرمي الحجرة الاولى حتى قبل ان يصاب ساكني دار الفتوى والصرح البطريركي بنوبة قلبية، وكان في هذا ما يثير الدهشة. فمرة اخرى ينتفض الغربان مقلدي/ات الطاووس لطلب رضى اصحاب الامر والنهي، ولكن هذه المرة سارعوا للشجب حتى قبل ان تصل طيور الله نفسه لترمينا بحجارة من سجيل.

الاحتجاجات تنوعت ولكنها لم تغطي على صوت الشفاه الاربع، فالرسائل الداعمة والمتضامنة فاقتها وذكرت بحلاوة اللعاب الذي سال معها. لقد استمتعت بكل لحظة من القبل الست التي تبادلناها (يا للهول ستة!! وكل هذه الضجة بسبب واحدة). لم تكن المرة الاولى التي نقوم فيها بهذا الفعل المنافي للحشمة المهدد للمسيرات الشعبية. في احد المرات تبادلنا القبلة في مطار بيروت الدولي وتواجهنا بسببها مع احد الجنود اللبنانيين. واكثر من مرة قمنا بهذا في شوارع بيروت ومطاعمها، ولم تكن كل تجاربنا سعيدة ولا كانت ردات الفعل دوما داعمة. نقوم بهذا اولا لاننا نريد ان نكون وان نعيش من نكون. لاننا نؤمن ان الحرية تمارس ولا تعطى، تؤخذ ولا تستجدى. وانه عندما يبدأ الهجوم، فان افضل دفاع هو ان نكون من نحن وما نؤمن به فهذا سلاحنا الاقوى. هكذا تعلمت من نسويات كثر في حياتي. اذكر بعض عضوات "نساء على الامواج" وشرحهن لي خلال عملي القصير معهن عن اهمية ان لا نتوقف ابدا عن المحاولة وعن اثارة الضجة. ان ممارسة ما نؤمن به وتحمل مسؤولية ما يترتب عليه هي اهم ما يمكن ان نقدمه لنضالنا حتى لو كان في ذلك مخاطرة مسؤولة مثل ركوب الامواج في عيادة اجهاض عائمة تجول اكثر الدول تعصبا ضد الاجهاض.

ما هالني في بيروت ان المسائلات والانتقادات والتحليلات انصبت فقط على القبلة (وفي بعض الاحيان على مشاركة احرار الجنس) وكأن احرار الجنس (او الشواذ والشاذات) كانوا من كوكب آخر. لماذا كل هذه البلبلة حول مشاركتنا وكل هذا النقاش وكأننا اقل حقا من النسويات/يين، او الناشطين/ات عبر الانترنت، او العائلات المغايرة للجنس، او راكبي/ات الدراجات الهوائية، او حتى الاوروبيين والشمال اميركيين... الخ في العلمانية!

الكل كان هناك ولم تتم مسائلة احد... سوى الشواذ/ات، ومن قبل بعض الشواذ/ات اللبنانيين!!!! لم يتم تقييم اي مشاركة لاي عصابة سوى عصابة الشواذ/ات! ولم يهدد المسيرة سوى قبلة فاتن حمامة في فيلم صراع في الوادي. قبلتنا لم تبرز سوى لاننا في بحر علماني مغاير للجنس، لم نرد اكثر من صوت حقيقي وواقعي لوجودنا، وكنا وما زلنا على اهبة الاستعداد لتحمل نتائج افعالنا. كما عندما قمنا منذ سنين، في طفولة جمعية حلم، بالنزول الى الشارع وحمل اليافطات الرافضة للحرب والمعلنة للعالم مثليتنا. انذاك لم ينتفض احد لمهاجمتنا بان المسيرة كانت ضد الحرب وليست عن المثلية. انذاك جاء الشجب الوحيد من مجلة اصولية ومن شاذين/ات شعروا بالتهديد من تصرفنا كوننا قد "فتحنا العيون على الغايز"! اما اليوم فتقوم اصوات مثلية اخرى بالانتقاد ولكن هذه المرة دفاعا عن المسيرة العلمانية وحماية لرسالتها المقدسة التي قد تتسع للشواذ/ات ولكن ليس لقبلهن "الفردية التي لا يمكن تحميل الجميع مسؤوليتها" (راجع/ي مقالة أفروديت في بخصوص). لم افهم، هل تحول النضال المثلي في زماننا الى نضال عذري؟ ام ان القبل المثلية تحول ممارسيها الى عواميد ملح اذا ما رأتهن/م الشمس ومن هنا ينبع الخوف؟

كما اجبت الشاذات والشاذين المختبئين/ات خلف ستارة نادي أسيد الليلي منذ سنين، ارد اليوم على كل شاذ/ة شعر بالتهديد والخوف او الغضب والرفض. أعتذر منهن/م لعدم قدرتي على توجيه نصيحة لهن/م، فهن/م اعلم مني بفنون الخزائن والعاب الغميضة... فلن يستطيع من هو بدون خبرة مثلي ان يعلم اسياد الخزائن وسيدات التخفي اساليب الطواويس.

اتفق مع بعض الانتقادات الموجهة تجاه وسائل الاعلام لاستعمالها الصورة بالشكل الذي استعملت فيه وكأنها كل ما حدث ذاك اليوم. ولكنني لن اقبل بان توضع القبلة في قفص الاتهام بسبب ذلك. احد اصدقائي الاعزاء (بحق) تمنى لو شرحنا لماذا تبادلنا القبل، او عن الربط بين القبلة والعلمانية. وانا قد اوافق على ما قاله، ولكن سؤالي يبقى لماذا لم يشرح (مع اني لا اطلب ذلك) الاوربيين/ات المشاركين/ات بالمسيرة سبب وجودهم/ن، او لم يشرح من حمل يافطة اعلان عن حب مغاير للجنس العلاقة مع العلمانية، او النسويات وحقوق المرأة مع العلمانية وكأن الزواج المدني كافي لانهاء العنف الذكوري المتعدد الاوجه. قد يكون الجواب ان الرابط واضح. اوافق، ولكنني سئمت منذ زمن من عيش ان المثلية بحاجة الى تعليل وشرح ودليل استخدام واعتبارات مسبقة وحسابات لاحقة. نعم القبلة كانت سياسية في المسيرة، ولكن سياسيتها لم تختلف عن ما هي عليه في شارع الحمراء ونحن وحدنا. القبلة سياسية بسبب مجتمع مغاير للجنس يرى فيها تهديدا. ولكن في زمن اخر، في شارع اخر، بنظر اناس اخرين هي قبلة... لا اكثر ولا اقل!

تحياتي لمن نظمن/وا المسيرة، خطوة اولى رائعة ورشيقة لم تخلو من اخطاء المحاولة الاولى شأنها شأن كل الاحلام المتحققة، وتمنياتي لهن/م ولنا جميعا بمسيرات اخرى اكثر الوانا واكثر مواجهة .... واكثر قبلا!

قبلاتي الحارة.