الأحد، 31 أكتوبر، 2010

هي سجانة

البارحة - الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، إحدى حانات برشلونة في شارع مخفي لا تطأه اقدام السياح المزعجة. حانة صغيرة جدا ومعروفة في اوساط الشاذات والشاذين الناشطين/ات سياسيا. الازدحام لا يطاق، قهقهة وموسيقى عالية تثير توتري. اينارا صديقتي المقربة ترمي بثقل جسمها الممتلئ علي بسبب ضيق وازدحام المكان بينما تداعب ثدي احدى الفتيات غير عابئة باصراري على ازالة كوعها الغارز في لحم فخذي. دافيد، ثالث الثلاثي المرح، يجلس الى جنبنا وفي يده سيجارة الحشيشة كعادته ينظر الى الشباب الجدد لاختيار طبقه اليومي، غرام نهاره.

بينما اهم بالنهوض لتنشق بعض الهواء في الخارج دافشا اينارا للمرة الثانية ولكن باصرار اكبر اسمع صوتها يفور بغضب ويتخبط فوق الموسيقى العالية والقهقهة. التفت اليها ويقترب دافيد منا بينما اينارا تعتلي كرسيها صارخة ان الفتاة التي كانت تقبلها ما هي الا "موظفة" في احدى السجون النسائية برتبة... سجانة!تتسارع الامور وتبدأ الفتاة بكيل الشتائم وينضم اليها اصدقاؤها بينما الناس من حولنا تشاهد وتسمع. يقترب منا بعض الاصدقاء ونبدأ جميعا بمطالبة الفتاة – السجانة - مغادرة المكان فورا. السجانة ترفض المغادرة. صراخ. شتائم. تدفيش. تسارع الامور. اهانات. هتافات ضد الدولة وسجانيها ونظام السجون عموما. تدخل صاحب الحانة لتهدأة الوضع. صراخ. اهانات.

توقف المشهد! انتقال الكاميرا الى مطبخ منزل غلام.

 دافيد مرتميا في حضني وماريا صديقتنا في حضنه، كلنا على الكنبة بينما أينارا تقف في وسط المطبخ وفي يدها كأس بيرة، اما نورا فتجلس على الكرسي المقابل. أينارا ما زالت ترقص غضبا صارخة بنا كل ما في داخلها ضد الدولة والسجون والشرطة واصحاب الحانات وكل من يشد على مشدهم. نحاول تهدأتها ولكننا نفشل مرة بعد اخرى ربما لان غضبنا كان اشد واقوى من محاولاتنا تحسين مزاجها. كنا غاضبات لان احداهن – السجانة - تصرفت على اساس اننا ننتمي الى بعضنا (نحن وهي) بسبب هويتنا الجنسية. لا بل ظنت ان كونها تحتل درجة سفلى من السلم الوظيفي فهذا يجعلها من ... الطبقة العاملة!!! من صفوفنا!!! توالت النقاشات والتحليلات بينما أينارا تثور غضبا وتتلوى قرفا لانها امضت ساعة في احضان السجانة تداعبها وتقبلها. أينارا تبصق وتطهر فمها بالبيرة. تسألنا كيف ستواجه الفونسو نهار الاثنين المقبل في زيارتها له داخل السجن! نطمأنها انه سيضحك وسيسخر منها. تبتسم، ثم تفور غضبا شاتمة كل ما على هذه الارض من انظمة قمعية وعملاء وعميلات، ولا يهدء روعها الا فكرة ماريا بالنزول فورا الى الشارع لتفريغ الغضب على حيطان المدينة! تغيير الملابس، قنينة نبيذ احمر وثلاث قناني رشاشة بالوان مختلفة، خمسة صديقات وحيطان مدينة لا تعد ولا تحصى.

الاثنين، 25 أكتوبر، 2010

القالب غالب.. فلنكسره



نهار السبت الماضي 23 اوكتوبر/ تشرين اول، تم الاحتفال بالمتحولات/ين والمغايريين/ات جنسيا وجندريا وثنائي/ات الجنس والجندر عالميا(Tran Identities i.e. Transexuals and Intersexed people). نظمت الحلقات الحوارية والنقاشات والاحتفالات والتظاهرات والتحركات لدعم هذه القضية في حوالي 60 مدينة في مختلف انحاء العالم. خرج الناس مطالبة بشطب الهويات الجنسية والجندرية المغايرة من اللائحات العالمية للاختلالات والاضرابات النفسية. في الكثير من هذه التظاهرات الاحتجاجية تعدت الاصوات حدود المطالبة لتشجب وتحتج ضد سياسات وممارسات النظام العالمي القائم.


من برشلونة الى بوغوتا الى اسطنبول الى ستوكهولم الى سانتياغو تشيلي الى مانيلا الى حوالي 60 مدينة، ترددت الصرخات مطالبة بوقف الاعتداءات ضد المتحولات/ين والمغايريين/ات جنسيا وجندريا وثنائي/ات الجنس والجندر. اعتداءات لا تقف عند حدود التعنيف والتمييز الاجتماعيان ولا عند العنف الجسدي، بل تتخطاهم الى القتل والى سياسات الهجرة والحدود، وسياسات سوق العمل ومبادئ التشدد الديني والاجتماعي وممارسات قوات “الامن” و"الخدمات الاجتماعية" والجسم الطبي والنفساني في كل انحاء العالم. إذا كنا نرى ان التمييز ضد المثليين والمثليات شديد القبضة، فأهلا الى عالم الرعب والاكشن!

ما يواجهنه المتحولات/ين والمغايريين/ات جنسيا وجندريا وثنائي/ات الجنس والجندر هو محاولة تدميرية وتهميشية شرسة من قبل كل اطياف المجتمع بمن فيهم - وللأسف - الكثير من المثليين/ات. ان الذكورية، والابوية المتشعبة والمتأصلة في نظرتنا الى الامور تدفع العديد الى مهاجمة التغاير الجنسي والجندري. وكأن كل منا يبحث عن من هم اقل جدارة منا بلقب "رجل" او "امرأة" لإثبات انتمائنا الى ما هو "طبيعي". وكأنها مبارة "انظر هم اكثر شذوذا منا" او "انظر انا مثلي مثلك احتقرهم وعندي مبادئ اخلاقية، هل تسمح لي بكرسي جنبك؟". نتبارى متناسين ان "الطبيعي" السائد في المجتمع لا يتضمننا ولو حتى وضعنا على رأسنا ريشة. انا على يقين من ان الاكثرية الساحقة من المثليين/ات المتروكين على طبيعتهم لم ولن يستطيعوا موافاة شروط "الطبيعي" في هذا المجتمع وسيرسبوا في الامتحان، بدأً بالاكثر وضوحا، الممارسة الجنسية.

الأربعاء، 20 أكتوبر، 2010

خلي بالك من زوزو... لان ليس كل زوزو... زوزو

بما ان الوضع في لبنان ما زال قيد الذل والإهانة والسجن تجاه المثليات والمثليين ومغايري/ات الجنس والجندر، فإن بعضنا، وانا اولهن، ينسى ان المجتمع المثلي لا يخلو من مخملية وغباء وعنصرية ورأسمالية (او احلام بها لمن لا يملكن القدرة على الشراء). ننسى، احيانا بهدف الهرب من الحزن والقرف من هذه المجموعات، اننا مجتمع مثلي ككل مجتمع، فينا الثائرة والجميلة والوحش والاميرة وحبة الفول والملك والرئيس والعنصري والدركي والمناضل والمحافظ المتشدد وارباب العمل المستغلين والعمال والعاملات المستغلين/ات ومن هن بدون اوراق ثبوتية وسندريللا وخالتها زوجة ابيها والنبي والراهبة وجحا وحماره وكل من شد على مشده.

كما عادتي في كل صباح عندما افتح كتاب الوجه (المعروف ايضا بالفايس بوك)، اجول على بعض الصفحات التي تهمني وتعجبني من جهة توجهها السياسي او غناها المعلوماتي او الثقافي. احدى هذه الصفحات هي "مرصد الحركة المثلية اللبنانية في وسائل الإعلام". مشروع رائع، لا يترك لا صغيرة ولا كبيرة بدون ان يرصدها ويرشدنا اليها مما يُفّعِل نضالنا وثقافتنا ويُسهِِل علينا ارشفة تاريخنا النضالي وتاريخ رهاب المثلية والتغاير الجنسي والجندري في لبنان. لمن يتولوا ويتولين هذه الصفحة كل تقديري واحترامي وشكري على عملهن/م.

اليوم صباحا قررت ان اكتب اهداء لكل المشاريع اللبنانية التي تتعاطى امور الجندر والجنسانية والتي اكن لها كل الاحترام والاعجاب. من هذه المشاريع التي كنت انوي شكرها اليوم: حلم، ميم، صوت النسوة، بخصوص، نسوية، حملة سلوى ضد التحرش، ومرصد الحركة المثلية اللبنانية في وسائل الإعلام. اقول كنت لانني عدلت عن الفكرة، بل قررت تأجيلها الى يوم آخر لانني وانا بغضض تحضير المعلومات شذذت كعادتي عن الهدف ووجدت نفسي في صفحة "راينبو" (Raynbow) وهو المشروع الام لـ "مرصد الحركة المثلية اللبنانية في وسائل الإعلام" والمعرّف على هذه الصفحة كـ "مشروع يساعد في تمكين ودعم الحركة المثلية في لبنان" وكـ "منظمة لا تبغى الربح". لا اشكك في اي من هذه المعلومات، لانني لا املك نقيضها. ولكن ما اثار اهتمامي اليوم هو بعض المنتوجات التي تباع على صفحة "راينبو" وما إذا كانت المجموعات في لبنان التي تستفيد من دعم "راينبو" على بينة من بعض الامور.

”راينبو" تهتم ببيع الاغراض التذكارية والالبسة المطبوعة بعبارات تتنوع بين "الفكاهة" والـ"فخر" المثلي والوطني. لن ادخل اليوم في سفاهة وغباء بعض العبارات، ولا في النظرة التي لا اوافق عليها للمثلية الجنسية (او بالاحرى الصورة المنقولة للجسد المثلي) او الانتماء الوطني، فكل على هواه، وكل واحد ينام على المخدة التي تريحه. كما انني لن انتقد كل ما هو موجود على هذه الصفحة لان بعضها اعجبني وانا على استعداد ونية لشرائها دعما للمجموعات المدعومة من "راينبو" ودعما للمرصد.

ولكن... (تتصاعد موسيقى تصويرية على نمط موسيقى عمار الشريعي)

الخميس، 14 أكتوبر، 2010

رسالة من تحت الماء


فاقد الشيء لا يعطيه، ومن يسلب حقا لا يعرف ان يعطي حقوقا. لان من يسلب حقا فإنه يسلبه للمحافظة على هيمنة الهية او سياسية او فكرية او جندرية او اقتصادية، او كل هذه السلطات مجتمعات. فمن سيتكرم بالتخلي عن عرشه من اجل من لا يعتبرهن/م، بالاصل، سواسية مع معاليه؟ "فالدنيا مقامات" و"الدنيا خلقت ناس فوق وناس تحت" والناس اللي فوق مش رح يبصوا عللي تحت... بدون صفعة تكسر رقبتهم!


اذا كانت هذه الحقوق من حقنا، ولنا، ومنا، ولا احد يملك حق سلبنا اياها، فلماذا نكتفي بالمطالبة بها من دون ان نعيشها ونمارسها؟ لماذا نمضي افضل سنين عمرنا ونحن نطالب ونطالب ونطالب ... وفقط نطالب؟ فاقدة الشيء لا تعطيه، ولا تعرف اكثر من ان تطالب به! ومن تطالب بدون ان تمارس ما تطالب به، فإنها لا تطالب... انها تتذمر... ويا ويلاه ما اكثر المتذمرات المضجرات!


اشعر بالألم وانا ارى اناس رائعات ورائعين يمضين حياتهن بالمطالبة بهذا وبذلك وبأولئك. أتألم وانا اراهن يتعبن ويهجرن المطالبة من اجل حياة لا تمت اليهن بصلة، ولا تمت الى الحياة بصلة، ولكنها موجودة ومحسوسة. ارى الباقي يستمر بالمطالبة، وبالسقوط في يأس الانتظار ودوامة الامل السياسي بثورة لن يعيشوا ليروا منها شيئا.


لو وقفنا اليوم وقلنا للناس اجمعين اننا سنقطع الخبز عنهم/ن، ماذا سيحدث؟ بالتأكيد ثورات، واضطرابات وحرق سيارات وتكسير محلات وعصيانات مدنية! حتى ان ابنة عمي المعمول فيها خمسة عمليات تجميل لن تحتاج الى ميشال عون ولا حسن نصرلله ولا الـ LBC ولا حملة I Love Bread لتحميسها للنزول الى الشارع والرقص بالعلم اللبناني ورسم رغيف خبز على انفها الغالي الثمن. لماذا؟ لان الناس تعرف طعم الخبز وتعرف ملمس الخبز ورائحة الخبز. بينما لو قلنا للناس اننا سنقطع عنهم المساواة، فلن يتحرك سوى "ناشطي/ات" حقوق الانسان، والجمعيات الاهلية والدولية والاحزاب و "المثقفين/ات" وبعض الفنانين/ات الملتزمات وبعض الناس. لماذا؟ لان معظم المجتمع لم يعش المساواة ابدا! لان الاكثرية ان كانت تعرف المساواة، فهن/م يعرفن فتاتها اليابس العفن، ولم يروا المساواة الساخنة الطازجة سوى في الاحلام والافلام والكتب والمناشير، وهذه المساواة لا طعم ولا رائحة لها! لان من لا يعرف الشيء، لا يعرف معنى العيش بدونه، ومن يعيش بدون الشيء يظن وتظن ان الحياة هكذا ...والدنيا هيك!