الثلاثاء، 23 نوفمبر، 2010

ليالي الفوضوية - 2

حل فصل الشتاء الا ان الشمس ما زالت على ثباتها وقوتها في مواجهة هذا الصقيع الذي يدفعنا جميعا للتحرك اسرع في محاولة يائسة وفاشلة لمحاربة براثن الشتاء القارس. اقترب الموعد جدا وعلى الرغم من التعب والترقب (والبرد) الا ان الحماس والادرينالين يحركان المجموعة ويعمان الجو. من لا يعرف ما يجري يظن ان المنزل الذي تتم فيه الاجتماعات ما هو الا منزل اصحابه ذوي حياة اجتماعية باهرة! خمسة عشر شخصا يتوافدون ويتوافدن على المنزل  ومعهن قناني البيرة، اكياس الطعام والمقبلات، العصائر واكياس البطاطا، الشوكولا والفواكه... اوراق واقلام وخرائط عقارية ومدنية... تتحول غرفة الصالون فجأة الى غرفة عمليات.

في الفترة التي مضت منذ الحلقة الاولى، تم التقرير على البناية والبدء بتجميع الادوات واللوازم التي نحتاجها للدخول. ما زال هناك الكثير من التحضير والوقت يداهمنا.  التعب بدأ يتسرب الى البعض وخصوصا ان معظمنا مرتبط بمشاريع اخرى او ارتباطات وظيفية، هذا بالاضافة الى ما يتوجب علينا تجاه هذا المشروع. البنايات تم اسقاطها بالتوالي، الاولى اسقطت بسبب كبر حجمها على الرغم من جمالها! فالبناية تزيد عن حاجتنا بالكثير الكثير (5000 متر مربع) والطمع ضر ما نفع! كما ان لا احد منا مقتنع سياسيا بالعيش في مكان بهذا الكبر والعديد من الناس لا تستطيع الحصول على سقف صغير. كما اننا لسنا بصدد احتلال بيت بهدف فتحه كسكن شعبي للعموم، تم اسقاط هذه البناية.

 بعد الحصول على المزيد من المعلومات حول البناية الثانية والتي كانت مدرسة كاثولكية في السابق تم اسقاطها بسبب اكتشافنا انها معروضة للبيع، الامر الذي قد يسهل لاي قاضي اصدار حكم بطردنا فورا. تقرر اسقاط البناية الثالثة بعد عملية المراقبة لم تخلو من المرح والابداع والتمثيل والكثير من الضحك والجرأة. تارة تكون مارتينا وغالا طالبات سينما بصدد تصوير فيلم للجامعة وبالتالي فهن بحاجة لزيارة البناية اذا تكرم الجيران بالسماح للطالبات البريئات بالصعود الى السطح. وتارة تكون سالي ساعية بريد تحتاج الدخول الى المبنى المجاور بهدف تسليم رسائل، وتارة اكون انا وماريسا عشاق نتبادل القبل تحت المبنى لمراقبة من يدخل ويخرج، وتارة يكون مارتين جار قد اضاع هرته وبحاجة للقفز الى البلكون المجاور للتأكد من الابوب ومدى صلابتها. نجحت مارتينا بحجة اختيار مواقع تصوير بالصعود الى احدى السطوح ومنه قفزت الى سطح البناية المختارة (رقم 3) بينما انتظرتها غالا للمراقبة والحماية. نجحت مارتينا بفتح باب السطح والبدء بالدخول الى المبنى، ولكنها فوجئت بوجود عائلات من المستأجرين تعيش في ثلاثة من الشقق!  يبدو ان مراقبتنا لم تنجح، فعلى الرغم من كل التحقيقات والبحث الجاد الا اننا كنا نراقب مدخلا اخر ولذا لم نرى احد يدخل او يخرج! قامت غالا بالاتصال بي لاخباري بسقوط البناية الثالثة والاتفاق على موعد لمراقبة البناية الرابعة.

الأربعاء، 17 نوفمبر، 2010

مسلسل على حلقات: ليالي الفوضوية - 1

احدى المنازل المحتلة في برشلونة
 
البيوت المحتلة (او المحررة من الملكية الخاصة) هي حركة نشطت في السنين الثلاثين الماضية في اوروبا خصوصا الا انها ظاهرة عمت بلدان كثيرة  في العالم اجمع ولاسباب وغايات متعددة ومختلفة. في لبنان تم احتلال البيوت المهجورة من قبل العائلات النازحة بسبب الحرب والتهجير القصري. من هذه العائلات كانت عائلتي، فانا ترعرعت في الجنوب اللبناني في قرية احتوت على اكثر من ثلاثين بيت محتل. عشنا في ذلك البيت حوالي العشر سنين وهناك كانت طفولتي واول سنين مراهقتي. اليوم اشعر برابط قوي مع تلك القرية واعتبرها قريتي ومكان نشوئي. لم اشعر يوما بفرق بين العائلات المحتلة والعائلات التي تمتلك البيوت وتعيش فيها، كنا جميعا جيران واصدقاء وما زلنا. في استراليا على سبيل المثال يعود مبدأ احتلال البيوت الى القرن التاسع عشر وتمثل باحتلال قطعة ارض ملكية بهدف استثمارها للزراعة او تدجين الحيوانات. في الهند يعيش الملايين من الناس في بيوت او قطع ارض لا يملكونها او على مساحة من الرصيف العام وعلى الرغم من سوء الظروف الا ان عددهم/ن يقدر بالملايين. ايضا ان احتلال البيوت والاراضي قضية معروفة وموجودة في ماليزيا والفيليبين والبرازيل والمكسيك على سبيل المثال لا الحصر.

اسباب الاحتلال تعددت وكذلك غايات الاستعمال واساليب التنظيم، كما تنوعت استراتيجيات الدفاع عن هذه البيوت والاراضي المحررة بتنوع المكان والاهداف والرؤية السياسية والوضع الاقتصادي والاجتماعي لساكنيها. تجربتي الخاصة كانت في لبنان خلال الحرب ثم في اوروبا خلال الست سنين الماضية عبر نشاطي داخل بعض المجموعات الفوضوية (التحررية اللاسلطوية).

الحركة في برشلونة حيث اعيش اليوم تشهد تغييرا مهما كونها اولا اكبر حركات البيوت المحتلة السياسية (المعروفة باللغة الانكليزية بالـ squat) في اوروبا والعالم بعد اعلان الدولة الهولندية مؤخرا تجريم احتلال البيوت في هولندا والبدء بحملة قمعية شهدت احداث عنيفة اوضحت ارهاب الدولة وعنف النظام. وثانيا بسبب النشاط السياسي الراديكالي في سبيل العديد من القضايا وبسبب علو نسبة اللاسلطويين/ات (من الفوضويات/ين والتحرريات/ين) في صفوفها.
عرض موسيقي في "كان ماس ديو" احدى البيوت المحتلة منذ اكثر من عشر سنين
اللعبة في برشلونة تكمن في احتلال البيوت والاراضي واستعمالهم لمشاريع سياسية وحياتية حتى يتم طردنا منها بامر قضائي او بحملة امنية بدون امر قضائي ولا اعلام مسبق، الا ان العمليتان يتمثلان باقتحام الشرطة للمنزل واخلاؤه بالقوة مما لا يخلو من مقاومة تتنوع بحسب المنزل ومن يسكنه. يوجد نوعين من البيوت، البيوت التي تستعمل للعيش وهي بحد ذاتها مشروع سياسي ولكنه غير مفتوح للمشاركة الخارجية، والبيوت التي تحتوي النمط الاول وتضم ايضا مركزا مفتوحا للعموم للمشاركة في ولتنظيم ورشات العمل والنشاطات. التنظيم واتخاذ القرارات في المنزل وفي المركز يتمان عبر اجتماعات دورية ويتم اتخاذ القرار عبر التوافق (consensus). تتعدد المشاريع، فمنها من يقدم ورشات عمل حول بناء وتصليح الدراجات الهوائية، او الخياطة، او اللغات، او الموسيقى، او المعلوماتية والبرامج المفتوحة المصدر، او الزراعة العضوية، او صناعة البيرة المنزلية، او الدفاع عن النفس والفنون القتالية (بالاخص للنساء والمثليين والمثليات)، او عرض الافلام وتنظيم الحلقات الحوارية، او تقديم الطعام والمشروب باسعار زهيدة، او انشاء مكتبات عامة ومراكز معلومات، او نشاطات للاطفال، او تنظيم الحملات التضامنية والتحضير للمظاهرات والاعمال المباشرة... الخ الخ.

الأربعاء، 10 نوفمبر، 2010

يوم واحد، نضال واحد... اصوات تتوحد وترتفع

بمناسبة “يوم واحد، نضال واحد” الواقع في التاسع من نوفمبر، رسائل سمعية-بصرية مع امل ان هناك من يسمع ويبصر... والاهم يفهم! كلها على موقع "جسمي"    www.jismi.net

نقلا عن الموقع:

" يهدف هذا الموقع الى المشاركة في احياء حملة “يوم واحد، نضال واحد” السنوية التي تمثل جهدا فريدا يعبّر عن النضال المشترك من أجل محاربة الانتهاكات للحقوق الجسدية والجنسية في المجتمعات المسلمة، في التاسع من نوفمبر من كل عام.

هذا العام في لبنان، اختارت المجموعة النسوية وجمعية “حلم” ومجموعة “ميم” اطلاق حملة مصورة هي عبارة عن مجموعة مقاطع فيديو قصيرة تبث عبر الانترنت، وتركز على موضوع الاستقلالية الجسدية والحقوق الجنسية للأفراد. وتصور مقاطع الفيديو هذه أشخاصا من مختلف الفئات العمرية، والتعابير الجندرية (رجال، نساء، وغيره)، والميول الجنسية، والانتماءات الدينية (أو المعدومة)، والاختصاصات المهنية، يتحدثون عن تجاربهم/ن المتنوعة التي اختبروها/اختبرنها  في ما يتعلق بالقمع الجسدي والجنسي، بالإضافة الى الطرق التي سلكوها/سلكنها للتخلص من هذه القيود وتحقيق الاستقلالية الذاتية التامة بالنسبة لخياراتهم/ن الجسدية والجنسية.

لمتابعة المزيد من الرسائل السمعية البصرية وللمزيد من المعلومات، الرجاء زيارة موقع "جسمي"


السبت، 6 نوفمبر، 2010

لقاء في حارة السقايين

بينما كنت الصق الدعوات للمظاهرة النسوية ضد زيارة بابا روما الى برشلونة وجدت نفسي امام احدى المقاهي التي احبها، مقهى صغير في ساحة قديمة وصغيرة تقع قرب منزلي القديم، المنزل الذي شهد اخر فصل من مسرحية علاقتنا التي لاقت استحسان كل الجماهير. تشرف طاولات المقهى على نافورة ماء يابسة كهواء هذه المدينة الذي تلوثه تجارة السياحة كل يوم. التقط جريدة اليوم البارحة واجلس الى احدى الطاولات واطلب قهوتي "الاكسبرسو" المعتادة. هناك شيء من الرومانسية في طلب فنجان قهوة وجريدة على طاولة مقهى في ساحة صغيرة في بلاد الغربة. قد تكون الاغاني او الافلام او الروايات... او مجرد جمال الموضوع الطبيعي. لا اعرف! اتناول الرشفة الاولى ثم اطلب من النادل الناشف الوجه كوب ماء من الحنفية. اكره فكرة دفع المال لقاء المياه! تعلمت هذا منك.

الجريدة تملؤها اخبار زيارة البابا المدنسة لحقوقنا جميعا بينما يزيد حنقي وصول النادل  ومعه قنينة ماء متجاهلا طلبي السابق بماء مجاني. لكن عطش جدي الحسين يغلب اراداتي السياسية، ابادله النظرة القاسية واقبل القنينة على مضض. انا من عشاق الماء، لا اجد ما يفوق طعم الماء لذة في هذه الحياة واكره ان الكثير من الناس والحيوانات محرومين ضرورة ولذة الماء النقي... بسببنا جميعا. اكره الناس الذين يهدرون الماء ولا يفكرون بقيمته ولا بجمال تكوينه. حتى هذه اللحظة لا تخطر على بالي ابدا. لقد مضى وقت طويل دون ان تزور صورتك خيالي. لقد مضى وقت طويل على مقابلتنا الاخيرة التي كانت مهذبة، يابسة وحضارية! كم اكره التحضر وزيفه! تعلمت هذا منك ايضا.

امسك قنينة الماء وابدأ بصب لونه في الكوب المجاور لصورة البابا. وإذا بظل شخصين يحجب نور الشمس قاتلا بريق مائي. ارفع نظري لاراك امامي، بقميصك الابيض وشالك الرمادي الذي يبرز جمال عينيك ولون بشرتك الذي طالما اثارني. زوجك يتأبط ذراعك ويقف خطوة ابعد منك عني. ما اجمله، نسيت انه بهذا الجمال وهو صامت. تشل المفاجأة حركتي، ولكنها لا تقوى على انسياب الماء من القنينة ولا على امتلاء الكوب وفيضانه الصامت فوق الجريدة وصورة البابا. انتفض عائدا الى الحياة على وقع خطى النادل الراكض لتجفيف الجريدة والطاولة وما تبقى من رمقي. كم اكرهه! الابتسامة تعلو وجهك وانت تبادرني التحية، عيناك تلعب دورهن في اثارتي وفي اشعال حنقي. التحضر القاتل مرة اخرى. اقف، قبلة سريعة على شفاهك، قبلة على كل خد من خدود زوجك التحفة الصامتة، وملاحظة ان رائحة عرقي تفوح امتار وتهزم عطر زوجك الايطالي، اللعنة كل اللعنة! ها نحن مرة اخرى، تحضر، يباس، تصمغ في الحلق والمقهى ذاته. تضحك مرة اخرى وانت تسألني عن حالي، ثم تنظر الى ملصقات المظاهرة على الطاولة سائلا اذا كنت لا ازال اثير المتاعب. اكره الاسئلة المبطنة واكره معرفتك بكرهي لها.

الأربعاء، 3 نوفمبر، 2010

دولا مين ودولا مين


الارض بتتكلم عربي وكردي وارمني... لكن الناس تسمع انكليزي وفرنسي، والاسوأ انهم/ن يتكلمن انجليزي اوفرنسي بينما يحاولن تحرير الارض!

ان اهم اسلحة الهجوم ضد الشذوذ الجنسي انه "خارج عن الحضارة والهوية" الخاصتين بالشعوب الناطقة بالعربية او الرازحة تحت الهيمنة العربية. انه "استيراد من الغرب" و"هجوم لتدمير الهوية والثقافة"، انه "مؤامرة اميركية او صهيونية لاستهداف شبابنا"! ينسى اصحاب هذا الهجوم، او يتناسوا، ان الاحتلال الاسلامي للاندلس اسقط العقاب المفروض من المتشددين المسيحيين على المثلية الجنسية، او يتناسوا مثلية ابو نواس على سبيل المثال، او اشعار الرومي الصوفي المليئة بالغزل المثلي حتى بالله ذاته.

ويتناسوا ان المثلية الجنسية ليست بعدوى ولا بهواية ولا بدورة تعليمية تمكن من ليس/ت مثلية من اتقان لعبتها. انا اتكلم عن تجربة خاصة، لا بل تجارب عدة. لقد حاولت مرات عديدة "تحويل" بعض الرجال الى مثليين انصياعا لرغبتي باجسادهم، وفشلت فشلا ذريعا! الامر مستحيل! فارتاحوا، انتم بامان الا ان كنتم مثليين ومثليات تقمعون رغباتكم/ن وهوياتكم/.

يقفز العديد من المثليين/ات والشاذين/ات الى التأكيد على هويتهم/ن القومية والحضارية وانتماءهم/ن الى الارض والمجتمع والدولة. ولكن ويا للعجب يقومون ويقمن بهذا باللغة الانكليزية او الفرنسية. سنسقط هنا نقاش فكرة "الكوول" (cool) لانني اجدها مهينة جدا لوقت القارئة/القارئ الثمين، وسننتقل مباشرة الى التكلم عن بناء هويتنا، التكلم عن بعثنا احياء في الذاكرة الشعبية وفي حياتنا اليومية. كيف نخطط لان نقوم بهذا في لغة ليست لغتنا؟ كيف نُعرِّف من نحن بلغة لا تفهمها جدتنا ولا جارتنا مريم؟ ا

لبعض يعلل الامر بالقول "لكنني ارتاح اكثر باللغة الانكليزية، لا اعرف كيف نقول "لزبيان" في اللغة العربية!" ام يقولون "لكنني لا استطيع الطباعة باللغة العربية، اكتب اسرع باللغة الانكليزية" او يرمون حجة "بالعربي اشعر كأنني في مسلسل مكسيكي، او انني في جامع الرادوف" ثم يستشاطون مدافعة عن انه "يجب ان يسمع العالم بنا، وان نوصل رسالتنا عالميا" ثم يعزفون لحن "ولكن عربيتي ليست جيدة بما فيه الكفاية! درست باللغة الانكليزية وكل قرائاتي هي بهذه اللغة." (اوه نو!)