الخميس، 14 أكتوبر، 2010

رسالة من تحت الماء


فاقد الشيء لا يعطيه، ومن يسلب حقا لا يعرف ان يعطي حقوقا. لان من يسلب حقا فإنه يسلبه للمحافظة على هيمنة الهية او سياسية او فكرية او جندرية او اقتصادية، او كل هذه السلطات مجتمعات. فمن سيتكرم بالتخلي عن عرشه من اجل من لا يعتبرهن/م، بالاصل، سواسية مع معاليه؟ "فالدنيا مقامات" و"الدنيا خلقت ناس فوق وناس تحت" والناس اللي فوق مش رح يبصوا عللي تحت... بدون صفعة تكسر رقبتهم!


اذا كانت هذه الحقوق من حقنا، ولنا، ومنا، ولا احد يملك حق سلبنا اياها، فلماذا نكتفي بالمطالبة بها من دون ان نعيشها ونمارسها؟ لماذا نمضي افضل سنين عمرنا ونحن نطالب ونطالب ونطالب ... وفقط نطالب؟ فاقدة الشيء لا تعطيه، ولا تعرف اكثر من ان تطالب به! ومن تطالب بدون ان تمارس ما تطالب به، فإنها لا تطالب... انها تتذمر... ويا ويلاه ما اكثر المتذمرات المضجرات!


اشعر بالألم وانا ارى اناس رائعات ورائعين يمضين حياتهن بالمطالبة بهذا وبذلك وبأولئك. أتألم وانا اراهن يتعبن ويهجرن المطالبة من اجل حياة لا تمت اليهن بصلة، ولا تمت الى الحياة بصلة، ولكنها موجودة ومحسوسة. ارى الباقي يستمر بالمطالبة، وبالسقوط في يأس الانتظار ودوامة الامل السياسي بثورة لن يعيشوا ليروا منها شيئا.


لو وقفنا اليوم وقلنا للناس اجمعين اننا سنقطع الخبز عنهم/ن، ماذا سيحدث؟ بالتأكيد ثورات، واضطرابات وحرق سيارات وتكسير محلات وعصيانات مدنية! حتى ان ابنة عمي المعمول فيها خمسة عمليات تجميل لن تحتاج الى ميشال عون ولا حسن نصرلله ولا الـ LBC ولا حملة I Love Bread لتحميسها للنزول الى الشارع والرقص بالعلم اللبناني ورسم رغيف خبز على انفها الغالي الثمن. لماذا؟ لان الناس تعرف طعم الخبز وتعرف ملمس الخبز ورائحة الخبز. بينما لو قلنا للناس اننا سنقطع عنهم المساواة، فلن يتحرك سوى "ناشطي/ات" حقوق الانسان، والجمعيات الاهلية والدولية والاحزاب و "المثقفين/ات" وبعض الفنانين/ات الملتزمات وبعض الناس. لماذا؟ لان معظم المجتمع لم يعش المساواة ابدا! لان الاكثرية ان كانت تعرف المساواة، فهن/م يعرفن فتاتها اليابس العفن، ولم يروا المساواة الساخنة الطازجة سوى في الاحلام والافلام والكتب والمناشير، وهذه المساواة لا طعم ولا رائحة لها! لان من لا يعرف الشيء، لا يعرف معنى العيش بدونه، ومن يعيش بدون الشيء يظن وتظن ان الحياة هكذا ...والدنيا هيك!



بالتأكيد كلنا مستعدات للموت دفاعا عن قضية ما! ولكن ما لا افهمه هو لماذا لسنا مستعدات ان نعيش قضية ما، ان نمارسها، واذا قتلونا كردة فعل قمعية نكون على الاقل... عشنا يومين؟ اليس الموت دفاعا اشرف من الموت مطالبة؟ اليس الموت بعد ان نكون قد عشنا ثورتنا الذ من ان نموت محرومات من رعشة الحرية. ولو كانت حرية ... لخمس دقائق، فمن يطالب وتطالب بالحرية يعرفوا ويعرفن ان الموت بعد خمس دقائق من الحرية افضل بألف مرة من حياة بلا حرية تملؤها المطالب!


ايضا ان تذوق ما نطالب به يعطينا القوة والغضب الهادر والنبض الثوري للدفاع بشراسة وبخبرة عن ما نعيشه، عن خبزنا... حقنا! فاذا غيرنا طريقة تفكيرنا من المطالبة الى عيش حقوقنا الآن وهنا، لن نستمد قوتنا خبز يومنا من حريتنا المستعادة فقط، بل بممارستنا هذه سنهدد وجودهم وعروشهم ومقاماتهم المقدسة، وسندب الخوف في قلوبهم وستبدأ المعركة. المعركة التي سترينا من منا ومن علينا، من يطالب بصدق ومن يطالب لان وظيفته او مركزه الاجتماعي مرتبط بوظيفته المطلبية، ولذا لا يريد او تريد تعدي هذه المطالبة. هؤلاء الذين واللواتي يطالبونا بالانتظار لأن وقت حريتنا لم يحن ولأن وفق دراساتهم الجامعية وخبرتهم السياسية وجمعياتهم الاهلية ما زلنا في فترة تحضيرية بانتظار ثورة ما او تغيير قانوني ما او ببساطة لانهم بصدد استراتيجية لنيل حقوقنا ولأن الوقت غير مناسب الان. كلام فارغ وهدام! الحرية لا تنتظر، واذا كان هناك من وقت مناسب فهذا الوقت قد حان منذ مئات السنين، من قبل ان نولد. اليوم حان وقت الشارع، فليمارس ولتمارس كل من يطالب بحق هذا الحق إذا ما استطعن اليه سبيلا. نفذت الاشجار ونحن نطبع مناشير، البارحة، منذ الف سنة، حان وقت الثورة!


لا حاجة لنا بثورة بعد مائة عام، مضى علينا اعوام ونحن بأمس الحاجة اليها! مضى علينا سنين ونحن نخاف ان نمارس ثورتنا ولو حتى في حمام بيتنا! مضى علينا اعوام ونحن نعلل ونحلل ونتأمل عجزنا! اليوم حان وقت ان نبدأ بسرقة ولو دقيقة واحدة كل يوم لنمارس حريتنا الغير قانونية، ان نستغل كل فرصة لنعيش ما نحن عليه، ولو كان في البدء على زوايا الشوارع المظلمة، على سطوح البنايات العالية حيث لا يرانا سوى الله الذي ليس له ايدي يطالنا بها! المهم ان نخرج من كتبنا ومكاتبنا، من ابحاثهم واجتمعاتهم الحقوقية، من نوادينا الليلية وحاناتنا اليسارية، ان نضع الكأس من يدنا ونرفعها لنصفع من هم فوق.. لنجبر من هم فوق ان يبصوا عللي تحت... والا فليشعروا باهتزاز عروشهم ... فاليوم ... سنحيا ثورتنا ... سنحيا!

ليست هناك تعليقات: